محمد عزة دروزة
398
التفسير الحديث
تعليق على مدى جملة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) * وهذه الجملة وإن كانت في مقامها هي بسبيل تقرير كون اللَّه تعالى لا يكلف الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلَّا ما في وسعهم من ذلك فإنها في إطلاقها تتضمن مبدأ من أمهات المبادئ القرآنية الذي تكرر تقريره بأساليب متنوعة وهو أن اللَّه سبحانه وتعالى لا يكلَّف الناس إلَّا وسعهم . وهذا المعنى يتناول حدّين أو معنيين : الأول : أن ما يكلفه اللَّه الناس هو ما يعرف أنه في نطاق قدرتهم ووسعهم أن يفعلوه . والثاني : أن اللَّه لا يطلب من الناس أن يتجشموا ما لا طاقة لهم به في سبيل القيام بما يكلفون به . والوسع يتناول فيما يتناول عدم التعارض مع القابليات والإمكانيات وعدم التعرّض للأخطار والأضرار . فالمسلمون حسب هذا المبدأ ليسوا مكلفين بما ليس في إمكانهم وقابلياتهم الجسدية والنفسية والمالية ولا بما يكون فيه تعريض حياتهم للخطر والتهلكة والحرمان سواء أكان ذلك بسبيل الواجبات والتكاليف التعبدية أم غير التعبدية . وإنما يطلب ذلك منهم في نطاق الطاقة وحدود الإمكان والمعقول . وهذا المبدأ يتسق مع طبيعة الأشياء ووقائع الأمور . ولعله من أعظم المبادئ التي ترشح المبادئ القرآنية للخلود والتطبيق في كل زمن ومكان . وقد تكرر تقريره كما قلنا بأساليب متنوعة مما ينطوي فيه حكمة التنزيل ومن الأمثلة على ذلك إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِه لِغَيْرِ اللَّه فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه إِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 1 ) [ البقرة : 173 ] و
--> ( 1 ) مثل هذه الآية أو قريبا منها جاء في سورة الأنعام والمائدة والنحل .